سئل شيخ الاسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن صلاة الجماعة هل هي فرض عين أم فرض كفاية، أم سنة؟ فإن كانت فرض عين وصلى وحده من غير عذر. فهل تصح صلاته أم لا؟ وما أقوال العلماء في ذلك؟ وما حجة كل منهم؟ وما الراجح من أقوالهم؟
الحمد لله رب العالمين. اتفق العلماء على أنها من أوكد العبادات، وأجل الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام، وعلى ما ثبت في فضلها عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (تفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة)، هكذا في حديث أبي هريرة. وأبي سعيد: (بخمس وعشرين)، ومن حديث ابن عمر: (بسبع وعشرين)، والثلاثة في الصحيح.
وقد جمع بينهما:بأن حديث الخمس والعشرين، ذكر فيه الفضل / الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة، والفضل خمس وعشرون، وحديث السبعة والعشرين ذكر فيه صلاته منفردا وصلاته في الجماعة والفضل بينهما، فصار المجموع سبعا وعشرين، ومن ظن من المتنسكة أن صلاته وحده أفضل، إما في خلوته، وإما في غير خلوته، فهو مخطئ ضال. وأضل منه من لم ير الجماعة إلا خلف الإمام المعصوم، فعطل المساجد عن الجمع والجماعات التي أمر الله بها ورسوله، وعمر المساجد بالبدع والضلالات التي نهي الله عنها ورسوله، وصار مشابها لمن نهي عن عبادة الرحمن، وأمر بعبادة الأوثان.
openquran(21,40,40) name=q9
وأما مشاهد القبور ونحوها، فقد اتفق أئمة المسلمين على أنه ليس من دين الإسلام أن تخص بصلاة أو دعاء، أو غير ذلك. ومن ظن أن الصلاة والدعاء والذكر فيها أفضل منه في المساجد، فقد كفر. بل قد تواترت السنن في النهي عن اتخاذها لذلك. كما ثبت في الصحيحين أنه قال: (لعن الله إليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وفي الصحيحين ـ أيضا ـ أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الحسن والتصاوير، فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة). وثبت عنه في صحيح مسلم من حديث جندب أنه قال: قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك).وفي المسند عنه: أنه قال: (إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد). وفي موطأ مالك عنه أنه قال: (اللهم، لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). وفي السنن عنه أنه قال: (لا تتخذوا / قبري عيدا، وصلوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني).
openquran(3,115,115) name=q10
فقيل: هي سنة مؤكدة فقط، وهذا هو المعروف عن أصحاب أبي حنيفة، وأكثر أصحاب مالك، وكثير من أصحاب الشافعي، ويذكر رواية عن أحمد.
وقيل: هي واجبة على الكفاية، وهذا هو المرجح في مذهب الشافعي، وقول بعض أصحاب مالك، وقول في مذهب أحمد.
وقيل: هي واجبة على الأعيان، وهذا هو المنصوص عن أحمد / وغيره، من أئمة السلف، وفقهاء الحديث، وغيرهم. وهؤلاء تنازعوا فيما إذا صلى منفردا لغير عذر، هل تصح صلاته؟ على قولين:
أحدهما: لا تصح، وهو قول طائفة من قدماء أصحاب أحمد، ذكره القاضي أبو يعلى، في شرح المذهب عنهم، وبعض متأخريهم كابن عقيل، وهو قول طائفة من السلف، واختاره ابن حزم وغيره.
والثاني: تصح مع إثمه بالترك، وهذا هو المأثور عن أحمد، وقول أكثر أصحابه.
والذين نفوا الوجوب احتجوا بتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده. قالوا: ولو كانت واجبة لم تصح صلاة المنفرد، ولم يكن هناك تفضيل، وحملوا ما جاء من هم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريق على من ترك الجمعة، أو على المنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة مع النفاق، وأن تحريقهم كان لأجل النفاق لا لأجل ترك الجماعة، مع الصلاة في البيوت.
وأما الموجبون، فاحتجوا بالكتاب والسنة والآثار.
openquran(3,102,102) name=q11
/أحدهما: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وهو يدل بطريق الأولي على وجوبها حال الأمن.
الثاني: أنه سن صلاة الخوف جماعة، وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر، كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور، وكذلك التخلف عن متابعة الإمام، كما يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم. قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة، وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب، مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم أنها واجبة.
openquran(1,43,43) name=q14
openquran(2,43,43) name=q16
وأما السنة: فالأحاديث المستفيضة في الباب، مثل حديث













